من «النصّ» إلى «المنهج»: البشاري يُعيد آية السيف إلى سياقها ويغلق أبواب التوظيف العنيف …
كتب….. نزار سلامة
في لحظةٍ يختلط فيها صخبُ السياسة بحِدّة التأويل، وتُستدعى النصوصُ الدينية أحيانًا لتكون ذريعةً لا هداية، شدّد الدكتور محمد البشاري، الأمين العام للمجلس الأعلى للمجتمعات المسلمة، على أن ما يُعرف بـ«آية السيف» لا يجوز أن تتحوّل إلى “شعارٍ جاهز” يُستعمل لتبرير العنف، ولا إلى “مفتاحٍ مزيّف” يُغلق به البعضُ أبواب القرآن على مقاصده الكبرى، بل يجب أن تُفهم بوصفها نصًّا محكومًا بسياقه التاريخي وشروطه وضوابطه الشرعية؛ صونًا للقرآن من أن يُتسلّط عليه “باسم القرآن”.

جاء ذلك خلال ندوة فكرية خُصّصت لمناقشة كتابه: «آية السيف.. نص في سياق أم ذريعة في صراع؟ تجديد رؤية الفقيه للعالم والإنسان»، بمشاركة الدكتور عمرو ورداني رئيس اللجنة الدينية بمجلس النواب، والدكتور عبدالله النجار عضو مجمع البحوث الإسلامية، وبحضور الدكتور محمود الهباش قاضي قضاة فلسطين. ..

وقد بدا عنوان الندوة، في ذاته، كأنه إعلانٌ عن قلب المعادلة: فالمعركة ليست على “آيةٍ واحدة”، بل على طريقة الفهم التي تُسند للنص مقامه الصحيح أو تُنزله منزلة السلاح المتفلّت.
وقال البشاري إن الإشكالية ليست في الآية ذاتها، بل في نزعها من بنيتها الكلية وتغريبها عن سياقها، ثم تقديمها باعتبارها “مرجعًا نهائيًا” لفقه العنف، مع إغفال عشرات الآيات المؤسسة لقيم السلم والعدل والوفاء بالعهود. ..

وأوضح أن كتابه لا يحفر في ركام مسألة تاريخية منتهية، بل يواجه سؤالًا راهنًا: كيف تتشكّل عقلانية الفقيه عند تماسّ النص بالواقع؟ وكيف يُستعاد “الجهد العلمي النقدي” الذي يعيد النص إلى نظامه الكلي، بدل أن يُستدرج إلى اقتطاعٍ يبرّر الصراع ولا يحرّره؟
وفي محورٍ حاسم، بيّن الأمين العام للمجلس الأعلى للمجتمعات المسلمة أن القتال في التصور الإسلامي ليس أصلًا في العلاقة مع الآخر، بل هو استثناءٌ تُحكمه شروط العدوان ونقض العهد والحرابة، ولا يُشرع لمجرد الاختلاف الديني أو لمطلق الناس..

ومن هنا جاءت دعوته إلى ردّ القوة إلى موضعها: ردّ العدوان لا ابتداؤه؛ إذ لا معنى لقوةٍ تتغذى من تأويلٍ منفلت، ولا قيمة لسلمٍ ينسحب من ضابط العدل.
وتوقّف البشاري عند واحدة من أكثر المفاصل إثارة للجدل: “منطق النسخ الاستسهالي”، معتبرًا أن تحويل آية السيف إلى سلطة إلغاءٍ لآيات السلم والقسط والبرّ والعهود، دون تحقق علمي لشروط النسخ وأسبابه وتدرج التشريع، هو انزلاقٌ من البرهان إلى الهوى. وأكد أن النسخ صناعة برهانية دقيقة لا “أداةٌ مطّاطة” تُستعمل لتصفية النصوص المخالفة لميلٍ مسبق، أو لتبرير خطابٍ يُريد من النص أن يصفّق له بدل أن يهديه.
وفي مقابل ثنائيةٍ سادت طويلاً بين “غلوّ” يحوّل النص إلى أداة قتال مطلق، و“تفريط” ينزع النص من مجاله كليةً، دعا البشاري إلى قراءةٍ متوازنة تُحافظ على استقامة المعنى: فلا تُطلق نصوص القتال بلا قيد، ولا تُحوّل نصوص السلم إلى تبرير لغياب الردع عند العدوان. وأعاد التأكيد على أن الفقه الرشيد يقوم على تحقيق المناط: ربط الحكم بحقيقته الواقعية؛ عدوانٌ أم سلم؟ عهدٌ قائم أم نقضٌ صريح؟ أمنٌ مُستباح أم مواثيق تُلزم الجميع؟

ولم يقف الكتاب—بحسب عرض البشاري—عند نقد الاستعمال العنيف للنص، بل اقترح بديلًا فقهيًا معاصرًا يعيد الاعتبار لقيم السلم والعدل، وينتقد التقسيمات التاريخية الجامدة من قبيل «دار الإسلام» و«دار الحرب»، مقترحًا مقاربة مقاصدية تقوم على مفهوم «دار التعارف»؛ بما ينسجم مع طبيعة العلاقات الدولية المعاصرة القائمة على المواثيق والعهود، دون أن يعني ذلك تمييعَ الأحكام أو تفريغها من شروطها، بل يعني نقلها من منطق “التصنيف الإقصائي” إلى منطق “الضبط العادل”.
وختم الدكتور محمد البشاري بالتأكيد على أن المعركة الحقيقية ليست حول آية بعينها، بل حول منهج الفهم: هل نقرأ القرآن بوصفه بنيانًا محكمًا تتساند آياته ضمن مقاصد كلية، أم نقرأه بوصفه مخزنًا لاقتباساتٍ سريعة تُوظَّف في صراعٍ لا يلتزم بميزان العدل؟ داعيًا إلى إعادة ميزان القراءة الفقهية إلى وقاره؛ بحيث يظل السلم أصلًا جامعًا، والعدل ضابطًا حاكمًا، والقوة وظيفةً محروسةً بشرطها: منع العدوان لا صناعة العدوان.
وفي ختام الندوة، بقيت الأسئلة التي لا يتسع لها خبرٌ عابر، لكنها تصنع معنى الخبر وتعيده إلى غايته:
1. هل يمكن بناء خطابٍ دينيٍّ معاصرٍ يُحصّن النص من التوظيف العنيف دون أن يسقط في إنكار مشروعية الدفاع عن النفس وحفظ العهد؟
2. متى يتحول “النسخ” من أداةٍ برهانية منضبطة إلى مطرقةٍ تأويلية تُقصي آيات السلم والقسط باسم اختزالٍ علميّ؟
3. وكيف ينتقل فقه العلاقات من ذاكرة الصراع إلى أفق “التعارف”، دون أن يكون ذلك استسلامًا أخلاقيًا أو تنازلًا عن واجب العدل؟




