نحو مشروع قومي لبناء الفكر تكامل الثقافة والوعي الديني في خدمة الوطن في ندوة فكرية تؤكد أهمية العمل المشترك لبناء الإنسان وترسيخ الوعي الوطني الرشيد

في معرض القاهرة الدولي للكتاب… محمد بشاري يدعو إلى استرداد وظيفة الدين كضميرٍ جامع في زمن “سوق المعنى”

 

كتب….نزار سلامة

 

في أجواء ثقافية كثيفة بمعرض القاهرة الدولي للكتاب، شارك الأستاذ الدكتور محمد بشاري، الأمين العام للمجلس العالمي للمجتمعات المسلمة، في ندوة فكرية تناولت سؤالًا محوريًا يفرض نفسه بإلحاح كلما اتسعت دوائر الاستقطاب وتزايد توظيف الدين في الصراعات الرمزية والاجتماعية: كيف يمكن استعادة الدين بوصفه ضميرًا أخلاقيًا جامعًا، دون أن ينزلق إلى أداة فرزٍ أو وقود انقسام؟ .؟

 

جاءت هذه المشاركة ضمن لقاء فكري جمعه بالعلّامة الأستاذ الدكتور عبد الله مبروك النجار، عضو مجمع البحوث الإسلامية، تحت عنوان جامع يربط بين بناء الوعي وحماية المجال الوطني: تكامل الثقافة والوعي الديني في خدمة الوطن…

 

واعتبر بشاري أن الإشكال لا يبدأ من النص حين يُساء فهمه، ولا من التدين حين يُمارَس في مجاله الطبيعي، بل يبدأ من لحظة اختلال الوظيفة: حين يُنتزع الدين من مقامه الأصيل بوصفه مرجعية أخلاقية عامة تُلزم الجميع، ويُدفع إلى ساحات التنافس على النفوذ والتمثيل والاحتكار. في هذا التحول تتغير صورة الدين في الوعي العام: من ميزان جامع إلى راية انقسام، ومن خطاب يحمي السلم المجتمعي إلى لغة تشحن العواطف وتغذّي ثنائية “نحن/هم”. وأوضح أن الخطر الحقيقي لا يكمن في اختلاف الناس، فالاختلاف سنّة الاجتماع، وإنما في تحوّل الاختلاف من تعدد داخل المشترك الوطني إلى استقطاب يُنتج التخوين ونزع الإنسانية وتبرير القطيعة باسم الدفاع عن المقدّس..

 

 

وانطلق بشاري في تفكيك هذه الإشكالية من قاعدة أصولية عملية مفادها أن ما يتصل بالكليات الجامعة ومصالح الاجتماع العام هو خطابٌ يتّسع للناس جميعًا، بينما ما يتصل بخصوصيات التدين وتجارب الأفراد يظل خطابًا خاصًا لا يُدار به المجال العام. وحين تختلط الدائرتان تبدأ الفتنة: إما بإسقاط الخصوصيات على الشأن العام فتتحول السياسة إلى حساسيات متنازعة، أو بإهمال القيم الجامعة فتُفتح فجوة قيمية تملؤها سريعًا خطابات الإثارة والكراهية. ومن هنا شدد على أن استرداد وظيفة الدين الجامعة لا يتحقق بتكثير الشعارات، بل بترسيم واعٍ بين القيم التي تضبط الاجتماع كله، وبين أنماط التدين الخاصة التي تبقى في مجالها دون أن تتحول إلى معيار للتمييز بين المواطنين…

 

وفي تشخيصه لمسارات الاستقطاب المعاصر، نبّه الأمين العام للمجلس العالمي للمجتمعات المسلمة إلى أن التطرف لم يعد محصورًا في تنظيمات أو جغرافيات بعينها، بل صار ظاهرة عابرة للحدود، تغذّيها منصات رقمية تصنع الانفعال السريع وتجزّئ المعنى وتكافئ الاستفزاز. وأشار إلى أن بعض الخطابات المشحونة قد تنتقل عبر فضاءات التواصل أو عبر حركات الأفراد، لا في صورة تنظيمات، بل في صورة أمزجة متوترة وسرديات قابلة للاشتعال عند أول احتكاك. وبيّن أن خلل المعنى يسبق خلل السلوك، وأن حماية الوطن تبدأ من حماية الوعي العام من “اقتصاد الإثارة” الذي يحوّل الدين إلى مادة تعبئة بدل أن يبقيه مرجعية تهذيب…

 

وفي مقابل منطق الهوية الذي يُنتج الاصطفاف، دعا بشاري إلى نقل مركز الثقل إلى منطق الائتمان، أي إعادة بناء التدين على معنى الأمانة والمسؤولية لا على معنى الاستحواذ والتمثيل. فالسؤال الجوهري ليس: من يتحدث باسم الدين؟ بل: من يلتزم بأخلاقه في المجال العام؟ وحين يصبح الدين ميزانًا تُقاس به الأمانة والصدق وحفظ السلم المجتمعي، يتراجع منطق التخوين تلقائيًا، وتُستعاد الوحدة من داخل قيم مشتركة لا من خلال اصطفافات متقابلة. وبهذا المعنى يتحول الدين من أداة فرز إلى معيار تقويم أخلاقي شامل.

كما شدد بشاري على أن المعيار الحاسم في تقويم الخطاب الديني هو أثره الواقعي: كل خطاب يصون كرامة الإنسان، ويمنع الكراهية، ويحمي السلم المجتمعي، فهو أقرب إلى روح الدين وإن خلا من الضجيج؛ وكل خطاب يثير الأحقاد ويقسم المجتمع ويطلق التحريض باسم التدين، فهو مناقض لمقاصده مهما حسنت عبارته. فالعبرة ليست بانتقاء نصوص تُساق لتبرير الانقسام، بل بما يصنعه الخطاب في الواقع: هل يبني الثقة أم يهدمها؟ هل يوسّع المشترك أم يضيّقه؟.

 

واختُتمت الندوة على معنى مؤسسي جامع مفاده أن التكامل بين الثقافة والوعي الديني ضرورة وطنية في زمن تتغير فيه صناعة القناعة وتتشكل فيه الفتن عبر سرديات سريعة ومجزأة. وفي هذا السياق، أكد بشاري – بصفته أمينًا عامًا للمجلس العالمي للمجتمعات المسلمة – أن مسؤولية المؤسسات الدينية والثقافية اليوم هي أن تجعل الدين قوة بناء وخدمة للناس، لا أداة توزيع ولاءات أو تعميق انقسامات؛ وأن تبقى المرجعية العلمية الجامعة، وفي مقدمتها الأزهر الشريف، إطارًا ضابطًا للمنهج يحمي المجال العام من فوضى التأويل ويصون القيم الكبرى بوصفها محل إجماع لا ساحة نزاع. وختم برسالة جامعة: الدين حين يستعاد في مقام الضمير يجمع، وحين يُزجّ به في مقام الخصومة يفرّق؛ وحراسته في زمن الاستقطاب تكون بإعادته إلى وظيفته الأخلاقية الجامعة، لا بإقحامه في معارك المعنى.
مداخلة العلّامة الأستاذ الدكتور عبد الله مبروك النجار

أودّ في البداية أن أؤكد أن العلاقة بين الثقافة والدين ليست علاقة تَجاوُرٍ أو تَقاطُعٍ عابر، بل هي علاقة عموم وخصوص متداخل، وصلة وثيقة يتعذّر فصل أحد طرفيها عن الآخر. فالثقافة ليست مجرد وعاء محايد، بل هي التي ترسم – في كثير من الأحيان – المسار الديني الصحيح، أو على الأقل الإطار الذي يُفهم فيه الدين ويُمارَس داخل المجتمع.

ولعلّ من أبلغ الأمثلة التي عشتها بنفسي ما دار بيني وبين الأستاذ الدكتور زكي نجيب محمود في ثمانينيات القرن الماضي، حين كتب عن مسألة الانتماء، وطرح تصوّرًا متدرّجًا يبدأ بالدائرة الأضيق، أي الوطنية، ثم يرتقي إلى الدائرة الأوسع وهي العروبة، ثم إلى الأوسع والأشمل وهي الرابطة الدينية أو الإسلامية. في ذلك الوقت، كنت أميل إلى طرحٍ معاكس، مفاده أن الانتماء يبدأ بالإسلام، ثم يتّسع إلى العروبة، ثم ينتهي إلى الدائرة الوطنية. وقد تبنّيت هذا الرأي ودافعت عنه، معتبرًا أن الرابطة الدينية هي الأصل الذي تُبنى عليه سائر دوائر الانتماء.

غير أنّ التجربة، وما أفرزته الوقائع لاحقًا، كشفت لي خطورة هذا الترتيب حين يُنزَع من سياقه العلمي الرشيد، ويُستغل استغلالًا مريبًا من قبل جماعات التطرف والعنف، التي نظرت إلى الوطن نظرة دونية، بل مهينة، وصل بعضها إلى وصفه بأنه “حفنة من تراب”، في تعبيرات كشفت بوضوح عن قطيعة مع فكرة الوطن ومع قيم الاجتماع الإنساني. عندها أدركت أن الخلل لم يكن في الدين ذاته، بل في ترتيب دوائر الانتماء على نحو يسمح بتهميش الوطن وإفراغه من قيمته الأخلاقية والإنسانية.

وهنا أعلنت – بوضوح ومسؤولية علمية – أنني كنت مخطئًا في معارضتي لما طرحه الدكتور زكي نجيب محمود، وأن الصواب هو ما انتهى إليه: أن يبدأ الانتماء من الدائرة الأضيق، أي الوطن، ثم يتّسع إلى الدائرة القومية أو العربية، ثم يتسع أكثر ليشمل الدائرة الدينية أو العقائدية التي تجمع بين شعوب مختلفة الأعراق والأوطان. فالوطن ليس نقيضًا للدين، بل هو مجاله الطبيعي، وأرض تنزيله، ومن دونه يتحول الانتماء الديني إلى فكرة معلّقة قابلة للتسييس والانحراف.

أما النقطة الثانية التي تناولتها في مداخلتي، فهي ما أشار إليه فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي – حفظه الله – بشأن التمييز بين إسلام الأفراد وإسلام الدولة. وقد وجدت أن هذا التفريق ليس طارئًا ولا مستحدثًا، بل له أساس راسخ في التشريع الإسلامي، وفي علم أصول الفقه بوجه خاص. فقد قرر الفقهاء منذ القدم تقسيم الحقوق إلى حق خاص وحق عام، وأكدوا أن الحق العام مُقدَّم على الحق الخاص، مع بقاء الحق الخاص محفوظًا في مجاله، ومتعلقًا بعلاقة الإنسان بربه ومسؤوليته الفردية أمامه.

فالحقوق الخاصة – من عبادات وتديّن فردي – شأنها بين العبد وربه، ولا يجوز أن تُدار بها العلاقات العامة بين الناس، أما العلاقة الظاهرة التي تنتظم شؤون المجتمع، فهي مجال الحق العام الذي يشترك فيه الجميع، ويقوم على الأمانة والمسؤولية وحفظ المصالح المشتركة. ومن حق كل إنسان على أخيه الإنسان أن يكون شريكًا أمينًا في هذا الملك العام، لا يبدده ولا يخونه، لأن حفظ الحق العام هو الضمانة الحقيقية لحفظ الحقوق الخاصة. فإذا صين الحق العام، استقرت الجماعة، وأمكن لكل فرد أن يؤدي حقه الخاص في إطار آمن وعادل.

وخلاصة ما أردت تأكيده أن الدين، حين يُفهم في سياقه الثقافي الصحيح، ويُنزّل في مجاله المناسب، يكون قوة بناء واستقرار، لا عامل تفكيك أو صراع. وأن ترتيب دوائر الانتماء، والتمييز بين المجال العام والمجال الخاص، ليس مسألة نظرية، بل قضية مصيرية يتوقف عليها أمن المجتمع وسلامة وعيه ومستقبل أجياله.

زر الذهاب إلى الأعلى