الشيخ هارون سالم…يواصل الشيخ هارون سالم من علماء الأوقاف يواصل تاملاته حول الإعجاز فى القرآن الكريم

يواصل الشيخ هارون سالم من علماء الأوقاف تاملاته حول الإعجاز فى القرآن الكريم قائلًا…..
.. لأن القرآن الكريم كلام الله تعالى…
قال {عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا أَحْضَرَتْ}
فالسورة تبدأ باثني عشر شرطاً وجوابا واحداً ” مَّا أَحْضَرَتْ”.
وباثنى عشر حدثًا كونيًّا مدمرًا، حيث الشمس تُلفّ ويذهب ضوؤها، والجبال الرواسي تُنسف وتُسيّر، والبحار تتفجر نارًا، والنجوم تتناثر.
كل هذه الثوابت الفيزيائية العملاقة تفنى وتتغير* ، ولكن وسط هذا الدمار الشامل، *يبقى شيء واحد فقط لا يتبدد ولا يغيب :
” مَّا أَحْضَرَتْ”.
وليس “عملت” أو “كسبت” أو “فعلت”..!؟.

لماذا اختار الله سبحانه هذا اللفظ؟
وكأنّ الآية تخبرني أنّ أعمالي ليست مجرد أحداث عابرة تذوب في نهر الزمن، بل هي “أمتعة” و”حقائب” أحزمها الآن، وأحملها على ظهري، وأُحضِرها معي شخصياً إلى ذلك الموقف العظيم، فلا حقائب تُفقد في مطار الآخرة، ولا أمتعة تضلّ طريقها..!!
انظر الى التناسب العكسي المذهل* بين ” *دمار* ” *الكون* ” *وبقاء* ” *العمل*
. ولكن وسط هذا الدمار الشامل، *يبقى شيء واحد فقط لا يتبدد ولا يغيب :
” مَّا أَحْضَرَتْ”.

إنها لطيفة مدهشة تُخبرك أنّ عملك، ولو كان مثقال ذرة، هو أقوى وجودًا من الجبال، وأكثر ثباتًا من النجوم؛ فالنجوم تنكدر، وعملك يحضر!
هذا التقابل العجيب بين فناء الأكوان وبقاء الأعمال* يضع الإنسان أمام حقيقة مرعبة:
أنت الكائن الذي سيحتفظ “بأشيائه” حين يفقد الكون كل شيء..!!
. ثم تأمل في طول الانتظار البلاغي في السورة؛ اثنتا عشرة جملة شرطية متتالية (إذا.. وإذا.. وإذا..) تحبس أنفاسك وأنت تقرأ، تترقب الجواب: ماذا سيحدث بعد كل هذا الانقلاب الكوني؟!
لم يقل “حُوسبت نفس” أو “عُذبت”، بل “عَلِمَتْ”.
. من اللطائف التي استوقفتني طويلًا، ذلك التنكير المؤثر في كلمة “نَفْسٌ”.
في ذلك اليوم، تتلاشى القبيلة، وتختفي الجماعة، ولا يبقى إلّا “أنت” و “مَّا أَحْضَرَتْ”.!
“ستكون وحيداً تمامًا مع حقيبتك..!”.
لقد قادني تأمل كلمة “أَحْضَرَتْ” إلى معنى “التجسيد”.
فالأعمال المعنوية في الدنيا (صلاة، كذبة، صدقة، غيبة) تتحول هناك إلى “أعيان” و”ذوات” حاضرة.
هذا المعنى يتوافق مع آيات أخرى مثل (وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا).
تخيل نفسك وأنت تدخل ذلك المشهد ، لا تحمل مالًا ولا جاهاً، بل تحمل “كلماتك” التي قُلْتُها، و”نظراتك” التي أطلقتها، قد تحولّت إلى أحمال مادية أراها رأي العين.

إن الانتقال من “العمل” المجرد إلى “الإحضار” المحسوس يجعل المسؤولية أثقل؛ فأنت لم تفعل الفعل ومضى، بل أنت “صنعته” وحملته معك لتضعه اليوم أمامك .
الآية تقلب مفهوم “الملكية” رأسًا على عقب:
أنت لا تملك ما جمعت، أنت تملك ما فعلت..!!”.
فالكيس من أعد العدة لهذا اليوم .
سبحان من هذا كلامه.
أكتب سبحان الله تعالى وبحمده .




