وزير الأوقاف السابق…شكرا لصاحب العمادتين ا د غانم السعيد

وجه وزير الأوقاف السابق الدكتور مختار جمعة الشكر لصاحب العمادتين ا د غانم السعيد…
وقال د. جمعة فى تدوينة له على الفيسبوك…….من أعماق قلبي أشكر أخي العزيز صاحب العمادتين الأستاذ الدكتور غانم السعيد العميد الأسبق لكلية اللغة العربية ثم كلية الإعلام بجامعة الأزهر على مقاله الرائع ولا عجب فهو أديب كبير 🔺
وهذا نص مقال فضيلته :
«محمد مختار جمعة… رجلٌ أنصفه الإنجاز وظلمه الخصوم»
بقلم: د غانم السعيد
<><><><><><><><><><><><><>
من طبائع الأمور، ومن سنن الاجتماع البشري، أن من يجلس على كرسي المسؤولية لا يجلس يومًا على عرش الرضا العام؛ إذ لا تجتمع القلوب على قائد حازم، ولا يرضى جميع الناس عن مسؤول يراقب ويحاسب، ويضع الواجب فوق المجاملة، والحق فوق الهوى، ومصلحة الوطن فوق مصالح الأفراد.
ويزداد ثقل المسؤولية حين يتولى القائد زمام الأمر في زمنٍ تتشابك فيه الأزمات، وتختلط فيه الأوراق، وتكاد مؤسسات الدولة تتداعى تحت وطأة الفوضى والسيولة الإدارية، فهناك لا يكون الإصلاح نزهة، ولا يكون النجاح طريقًا مفروشًا بالورود، وإنما يكون معركةً يخوضها صاحبها كل يوم، يدفع فيها من راحته، ومن سمعته، وربما من أمنه النفسي، ثمنًا لإيمانه بما يصنع.
ومن الرجال الذين خاضوا هذه المعركة بكل ما فيها من عناء معالي الأستاذ الدكتور محمد مختار جمعة، وزير الأوقاف السابق، الذي لم يكن يدير وزارة فحسب، بل كان يحمل على عاتقه مسؤولية حماية أحد أخطر ميادين بناء الوعي في مصر، وهو المنبر.
ولقد شاء الله أن يتولى الوزارة في وقتٍ كانت فيه المنابر قد امتدت إليها أيدي أصحاب الفكر المتشدد، حتى غدا بعضها منابر لتعبئة العقول، لا لهدايتها، ولإشعال الفتن، لا لإطفائها. وكانت مصر يومئذ تخوض معركة وجود، لا معركة سياسة؛ معركةً بين دولة تريد أن تحيا بعلمها وأزهرها ووسطيتها، وبين جماعات أرادت أن تجعل الدين مطية للوصول إلى الحكم، ثم وسيلةً لإقصاء المجتمع كله.
ولو لم يكن للرجل من فضل إلا أنه انتزع المنبر من قبضة المتطرفين، وأعاده إلى علماء الأزهر الشريف، لكفاه ذلك وسامًا لا تنزعه الأيام، وإنجازًا يكتبه التاريخ بأحرف من نور؛ لأن حماية المنبر كانت حمايةً للعقل المصري، وصيانةً للدين من أن يُستغل، وحفظًا للوطن من أن يتحول إلى ساحة للفكر المتطرف.
وأشهد على ذلك بموقف عشته بنفسي، فما زالت تفاصيله ماثلة أمام عيني. كنت أخطب بأحد مساجد المعادي الجديدة في أعقاب أحداث يناير، فتحدثت عن فضيلة الإمام الأكبر شيخ الأزهر، فإذا بأحد المتشددين يرفع صوته داخل المسجد، ويتطاول على مقام الإمام الأكبر في مشهد لم يكن مستغربًا في تلك الأيام التي اختلطت فيها الأصوات، وتجرأ فيها من لا يزن الكلمة ولا يعرف للعلماء قدرهم.
آثرت ألا أجعل بيت الله ميدانًا للخصومة، فأتممت الخطبة، فلما انتهت الصلاة اندفع المصلون نحوه غضبًا لما بدر منه، وكادت تقع فتنة لولا أن تداركت الموقف، وهدأت الناس حتى انتهى الأمر باعتذاره.
ومنذ ذلك اليوم ازددت يقينًا بأن المعركة على المنبر لم تكن معركة وزارة، وإنما كانت معركة وطن بأكمله، وأن كل خطوة أُخذت لاستعادة هيبة المسجد كانت خطوة لحماية مصر نفسها.
ولم يقف عطاؤه عند هذا الحد، بل آمن بأن الإمام الذي يحمل رسالة السماء لا ينبغي أن يعيش أسير الحاجة، فشهدت الوزارة في عهده أكبر تحسن عرفه الأئمة والخطباء والواعظات في أوضاعهم المالية والمعيشية، إيمانًا بأن كرامة الداعية جزء من كرامة الدعوة نفسها.
والعجيب أن الرجل، بعد أن غادر الوزارة، لم تغادره حملات التشويه، وكأن بعض الخصومات لا تعرف نهاية. فما إن تلوح مناسبة إلا وتُستدعى سهام الطعن، بل تجاوزت أحيانًا شخصه إلى أسرته، في مشهد يرفضه الدين، وتأباه الأخلاق، وتنفر منه الفطرة السوية.
غير أن الرجل قابل الإساءة بالحلم، والسباب بالصمت، والتجريح بالعمل، فلم ينحدر إلى مستوى خصومه، ولم يجعل من وسائل التواصل ميدانًا للمهاترات، بل بقي وفيًا لخلقه، مترفعًا عن صغائر المعارك، حتى كنت أراه بحق وزيرًا حليمًا صابرًا، أدرك أن التاريخ لا يكتبه أصحاب الضجيج، وإنما يكتبه أصحاب الإنجاز.
وحين ينصف التاريخ الرجال، فلن يقف طويلًا عند ما قيل فيهم، وإنما سينظر إلى ما تركوه وراءهم من آثار باقية. وسيجد أمامه سجلًا حافلًا بالإنجازات؛ تحسينًا لأحوال الأئمة، وضبطًا للمساجد، وتجديدًا لبيوت الله، ونشرًا للفكر الوسطي، وإحياءً للوقف، وتوسيعًا لأعمال البر، وتطويرًا للتدريب، وتمكينًا للمرأة والشباب، وحضورًا عالميًا للوزارة، ومئات المؤلفات، وآلاف المنح، ومشروعاتٍ عمرانية وخيرية ستظل شاهدة على مرحلة من أكثر مراحل الوزارة حركةً وعطاءً.
إن المناصب إلى زوال، أما الأعمال الصادقة فباقية، والخصومات إلى انقضاء، أما آثار الإخلاص فلا تمحوها الأيام. وقد ينجح أصحاب الأصوات المرتفعة في إثارة الضجيج حينًا، لكنهم لا يستطيعون أن يمحوا حقيقةً صنعتها الوقائع، ولا أن يطمسوا أثرًا نقشته الإنجازات على صفحات الوطن.
فشكرًا لمعالي الأستاذ الدكتور محمد مختار جمعة على ما قدمتموه لوطنكم، ولوزارة الأوقاف، وللدعوة الإسلامية. وشكرًا على حلمٍ اتسع للإساءة، وصبرٍ لم تفتَّ في عضده حملات التشويه، وإخلاصٍ ستظل ثماره يانعةً في المساجد، وفي عقول الدعاة، وفي وجدان كل من أدرك قيمة الكلمة حين تكون في يد العلماء، لا في قبضة المتطرفين.
رحم الله زمنًا يُقاس فيه الرجال بما أنجزوا، لا بما قيل فيهم، فالتاريخ لا يحفظ الضجيج، وإنما يحفظ البناة.



