بشاري في ندوة الافتاء ((حين يصل العلم إلى الجين، تصبح الفتوى حارسةً للكرامة لا مجرد جواب فقهي)).
كتب…. نزار سلامة
في إطار الدينامية العلمية والبحثية التي تشهدها المؤسسات المعنية بتطوير الفتوى وترشيد الخطاب الديني في العالم، انعقدت ندوة علمية كبرى بعنوان:
“الفتوى الطبية المعاصرة: من فقه النص إلى فقه المناط الحيوي”،
وذلك يومي 15-16 ديسمبر 2025، بتنظيم من الأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء في العالم د
وجمعت الندوة نخبة من العلماء والفقهاء والخبراء المتخصصين في الطب الحيوي والهندسة الوراثية والقانون الطبي، بهدف بلورة رؤية علمية مشتركة حول الإشكالات الشرعية المتولدة عن التطور الجيني الهائل الذي يشهده العالم، وضرورة تأصيلها ضمن أطر معرفية ومقاصدية راسخة…

وشارك سعادة الدكتور محمد بشاري، الأمين العام للمجلس العالمي للمجتمعات المسلمة ، بكلمة رئيسية شكّلت أحد محاور الندوة المركزية، واستوقفت الحضور لما حملته من قراءة جديدة تتجاوز المعالجة النصّية التقليدية إلى بناء تصور فقهي جديد يستوعب التعقيدات الحيوية المستجدة.
خمس رسائل محورية من كلمة سعادة الدكتور محمد بشاري
١. مركزية الانتقال من فقه الوصف إلى فقه التكوين
أكّد سعادته أن الفتوى الطبية في زمن الجينات لم تعد ممكنة بمنهجية أحكام تتعامل مع ظاهر الأفعال، بل بمنهجية تستوعب البنية التكوينية للفعل الطبي ذاته. فالأصل اليوم ليس حكم الإجراء، بل ماهية التغيير الذي يحدثه في هوية الإنسان وكرامته وسلامته الوراثية.
٢. ضرورة تأسيس شراكة إلزامية بين الفقيه والخبرة العلمية
شدّد الدكتور بشاري على أن الفتوى في القضايا الجينية لا يمكن أن تُبنى دون تعاون منهجي بين العلماء الشرعيين وخبراء البيولوجيا الجزيئية والوراثة. فتصوير المسألة أصبح جزءًا من الحكم نفسه، والمعرفة المختبرية صارت شرطًا في صحة الاجتهاد.
٣. الأمن الجيني أصبح جزءًا من الأمن القومي والأخلاقي
أوضح سعادته أن الحفاظ على الكرامة الوراثية للإنسان يدخل اليوم في دائرة “المصالح الضرورية”، وأن الانفلات العلمي في تحرير الجينات أو التلاعب بخارطة الإنسان يهدد الاستقرار الاجتماعي والنَّسَبي والأخلاقي، مما يوجب أن يكون للفقه حضور صريح وفاعل في هذا المجال.
٤. المقاصد الشرعية قادرة على توجيه الاجتهاد الحيوي إذا استُعيدت أدواتها
بيّن الدكتور بشاري أن مقاصد الشريعة ليست منظومة تاريخية جامدة، بل أداة متجددة تضمن اتزان الفتوى بين حماية الإنسان وتمكين العلم النافع. فمقصد حفظ النسل، وحفظ النفس، وحفظ العقل، تتسع اليوم لتشمل منع التشويه الوراثي، وصيانة الهوية الجينية، وترشيد الابتكار العلمي.
٥. الفتوى الطبية يجب أن تنتقل من ردّ الفعل إلى هندسة الوعي الاستباقي
دعا سعادته إلى أن تتحول المؤسسات الدينية من موقع الاستجابة المتأخرة للنوازل إلى موقع “الهندسة المعرفية الاستباقية” التي تستشرف أثر التكنولوجيا الحيوية قبل وقوعها، وتضع تصورات عامة تعصم المجتمعات من الفوضى الأخلاقية والعلمية.






