العرب في ثمانين سنة».. قراءة توثيقية في ثمانية عقود من التحولات العربية واستشراف للمستقبل

 

كتب عاطف مصطفى

 

صدر حديثًا عن دار الوتد في الدوحة كتاب «العرب في ثمانين سنة 1945–2025» للكاتب محمد بن محمد الجفيري، في طبعته الأولى لعام 1448هـ/2026م، في عمل توثيقي يستعيد ثمانية عقود من التاريخ العربي الحديث، متتبعًا أبرز الأحداث والتحولات التي صنعت ملامح المنطقة، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وحتى عام 2025.

ولا يقدم الكتاب مجرد سرد متتابع للسنوات والأحداث، وإنما يأخذ القارئ في رحلة زمنية مكثفة عبر تاريخ الأمة العربية، تستحضر محطات الاستقلال، والتحولات السياسية، والصراعات الإقليمية، ومشروعات الوحدة العربية، وما رافقها من آمال وانكسارات وتحديات، في محاولة لقراءة الماضي باعتباره مصدرًا للتجربة والعبرة، لا مجرد سجل للأحداث.

 

ويبدو واضحًا من بنية الكتاب وفهرسه أن المؤلف بذل جهدًا كبيرًا في انتقاء المحطات التاريخية الأكثر تأثيرًا، فلم يتعامل مع السنوات الثمانين بوصفها فترة زمنية متصلة فحسب، بل اختار من كل مرحلة الأحداث التي تركت أثرًا في مسار العالم العربي. ويبدأ التسلسل من عام 1945، مرورًا بتأسيس الجامعة العربية، والقضايا المرتبطة بفلسطين، وثورات واستقلالات عدد من الدول العربية، وصولًا إلى التحولات الكبرى التي شهدتها المنطقة في العقود اللاحقة.

 

ومن المحطات التي يبرزها الفهرس: حرب فلسطين، ثورة الجزائر، ثورة مصر، الوحدة المصرية السورية، ثورة العراق، استقلال الكويت، استقلال الجزائر، حرب أكتوبر، الحرب الأهلية في لبنان، الحرب العراقية الإيرانية، الغزو العراقي للكويت، حرب تحرير الكويت، أحداث الحادي عشر من سبتمبر، حرب العراق، الربيع العربي، الأزمة السورية، الحرب في اليمن، اتفاقات السلام، وأحداث غزة، وصولًا إلى أحدث المحطات التي شهدتها المنطقة في عام 2025.

ويمنح هذا الامتداد الزمني الكتاب قيمة خاصة؛ إذ يسمح للقارئ بأن يتابع كيف انتقلت المنطقة العربية من مرحلة الاستقلالات الوطنية وبناء الدولة إلى مرحلة الصراعات والتحالفات الإقليمية والدولية، ثم إلى عصر التحولات المتسارعة، وما نتج عن ذلك كله من تغيرات سياسية واجتماعية وفكرية واقتصادية.

وفي تقديم الكتاب، يؤكد ناصر بن عبدالعزيز النصر، رئيس الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها السادسة والستين، أن أهمية العمل لا تكمن فقط في رصد الأحداث، وإنما في جمعها ضمن سياق زمني مترابط يتيح للقارئ رؤية الصورة الكاملة بعيدًا عن التجزئة والانتقائية، مشيرًا إلى أن الأمم التي تحفظ ذاكرتها وتتأمل تجاربها بصدق تكون أقدر على تجاوز أزماتها وبناء مستقبلها.

 

وتلك الرؤية تبدو حاضرة في طبيعة الكتاب نفسه؛ فالمؤلف لا يكتفي بإعادة استحضار الأحداث الكبرى، وإنما يسعى إلى وضعها أمام القارئ بصورة تساعد على فهم جذورها ونتائجها وتداخلاتها. ومن هنا تأتي أهمية الحياد في السرد، بوصفه وسيلة لإتاحة مساحة للقارئ كي يتأمل الوقائع ويستخلص دروسها بنفسه، بعيدًا عن التهويل أو التبرير.

ويشير تقديم الكتاب كذلك إلى أن المرحلة التي يغطيها العمل شهدت أحداثًا لا تزال آثارها حاضرة في الواقع العربي المعاصر، وأن استعادة هذه الذاكرة ليست ترفًا تاريخيًا، بل محاولة لفهم الحاضر واستشراف المستقبل.

<<من الذاكرة إلى المستقبل>>

وربما تكمن إحدى أهم نقاط الجذب في «العرب في ثمانين سنة» في أن الكتاب، رغم انشغاله بالماضي، لا يبدو أسيرًا له. فاستعراض ثمانية عقود من التجربة العربية يفتح سؤالًا أكبر: ماذا يمكن للعرب أن يتعلموا من تاريخهم، وكيف يمكن تحويل تراكم التجارب إلى قوة لبناء المستقبل؟

فالعالم العربي لا يبدأ من فراغ؛ إنه فضاء جغرافي متصل، وثقافة واسعة ذات جذور تاريخية عميقة، ولغة تجمع شعوبه، وتراث حضاري أسهم عبر قرون في تشكيل مسارات مهمة في تاريخ الإنسانية، فضلًا عن مكانته الدينية والروحية وتأثيره في مجتمعات وثقافات متعددة حول العالم.

ومن هذا المنظور، يمكن قراءة الكتاب باعتباره دعوة إلى استعادة الثقة بالقدرة على البناء انطلاقًا من فهم التجربة. فالتاريخ الذي يستعرضه العمل يحمل صفحات مشرقة وأخرى مؤلمة، وانتصارات وإخفاقات، ومشروعات نجحت وأخرى تعثرت؛ لكن القاسم المشترك بينها هو أنها جميعًا تقدم مادة ثرية للتعلم وإعادة التفكير.

 

 

ويزداد هذا البعد أهمية في ظل عالم عربي يشهد اليوم تحولات اقتصادية وتقنية وسياسية متسارعة، ويملك في الوقت نفسه ثروات طبيعية وبشرية ومواقع استراتيجية وإمكانات ثقافية وحضارية كبيرة. ومن هنا يصبح استحضار الماضي وسيلة لاجتناب تكرار أخطائه، واستثمار دروسه في صناعة مستقبل أكثر تماسكًا وقدرة على المنافسة والتأثير.

ولا يقدّم «العرب في ثمانين سنة» إجابة جاهزة عن مستقبل العرب، بقدر ما يضع أمام القارئ مادة تاريخية واسعة تساعده على طرح الأسئلة الصحيحة: ما الذي نجح؟ ولماذا تعثرت بعض المشاريع؟ كيف أثرت التحولات الدولية في القرار العربي؟ وما الدروس التي يمكن استخلاصها من عقود طويلة من التجربة؟

وبين صفحات تستعيد أحداثًا مفصلية، وتسلسل زمني يربط المحطات ببعضها، ونظرة تحاول الاقتراب من التاريخ بموضوعية وهدوء، يراهن محمد بن محمد الجفيري على أن قراءة الماضي بوعي هي إحدى مقدمات صناعة المستقبل.

إنه كتاب يخاطب القارئ العربي الذي يريد أن يتذكر، والقارئ الشاب الذي يريد أن يعرف، وكل من يرى أن التاريخ ليس مجموعة تواريخ وأسماء وحروب، وإنما ذاكرة حية يمكن أن تساعد أمة كاملة على فهم حاضرها واستشراف غدها.

وبذلك يأتي «العرب في ثمانين سنة 1945–2025» كدعوة مفتوحة إلى إعادة قراءة ثمانية عقود من المسيرة العربية؛ قراءة لا تتوقف عند ما حدث، وإنما تتطلع إلى ما يمكن أن يحدث، وإلى مستقبل عربي يليق بما تختزنه المنطقة من ثروات وإمكانات، ووحدة لغوية، وامتداد جغرافي، وعمق تاريخي وحضاري، وإرث ديني وثقافي ترك أثرًا يتجاوز حدود العالم العربي إلى حضارات وشعوب العالم.

الكتاب: العرب في ثمانين سنة 1945–2025
المؤلف: محمد بن محمد الجفيري
الناشر: دار الوتد – الدوحة، قطر
الطبعة: الأولى، 1448هـ/2026م.

زر الذهاب إلى الأعلى