الدكتور محمد بشاري: الذكاء الاصطناعي إما جسر للسلام أو مرآة مشوّهة لصراعاتنا مشاركة فكرية بارزة في مؤتمر التحالف العالمي للتسامح بأبوظبي بحضور أكثر من 80 دولة

أبوظبي –
في ظل التحولات العالمية المتسارعة، وما يرافقها من تصاعد خطابات الكراهية والاستقطاب الرقمي، شارك الدكتور محمد بشاري، الأمين العام للمجلس العالمي للمجتمعات المسلمة، في أعمال مؤتمر التحالف العالمي للتسامح، الذي انعقد في العاصمة الإماراتية أبوظبي يوم الأربعاء 5 فبراير 2026، بحضور واسع لممثلين رسميين، وقادة فكر، وصناع سياسات، وخبراء، من أكثر من 80 دولة.
وجاء المؤتمر تحت عنوان «نداء العمل المشترك للتحالف العالمي للتسامح»، ليشكّل منصة دولية رفيعة المستوى لمناقشة سبل تعزيز قيم التسامح، وبناء السلام، وتوظيف الذكاء الاصطناعي والتقنيات الرقمية الحديثة في خدمة التعايش الإنساني، بدل أن تتحول إلى أدوات لإعادة إنتاج الانقسام والصراع..

التسامح كمعيار حضاري لا كشعار
وفي مداخلته، أكد الدكتور محمد بشاري أن التسامح ليس زينة خطابية تُرفع في المناسبات، بل هو ممارسة حضارية واعية تُقاس بمدى التزام الدول والمجتمعات والمؤسسات بحماية الإنسان، وصون كرامته، وإدارة الاختلاف بعدالة ومسؤولية.
وأوضح أن الأخوة الإنسانية ليست قيمة رمزية، بل ميزان أخلاقي يُختبر في السياسات العامة، وفي الإعلام، وفي الفضاء الرقمي على وجه الخصوص.
الذكاء الاصطناعي بين تسريع الحياة وتهذيب المعنى
وتوقف الدكتور بشاري عند السؤال المحوري الذي يفرض نفسه اليوم:
هل نريد ذكاءً اصطناعياً يسرّع حياتنا فقط، أم ذكاءً يهدّئ صراعاتنا ويهذّب لغتنا؟
مشدداً على أن الخطر لا يكمن في الذكاء الاصطناعي ذاته، بل في غياب الإطار القيمي الذي يوجّهه.

وأشار إلى أن بعض المنصات الرقمية تحوّلت إلى مرايا متوحشة تعكس أسوأ ما في انفعالاتنا الجماعية، وتغذّي الغضب والاستقطاب، داعياً إلى بناء منصات رقمية بديلة تُدير الخلاف أخلاقياً، وتحوّل الاختلاف من صدام إلى تعارف، ومن نزاع إلى حوار.
الذكاء الاصطناعي في الوساطة وبناء السلام
كما شدد على أن توظيف الذكاء الاصطناعي في مجالات الوساطة وبناء السلام يمثل فرصة تاريخية، إذا أُحسن تصميمه أخلاقياً، بحيث:
• يرصد مؤشرات التوتر مبكراً قبل انفجار الأزمات،
• ويساعد على تفكيك خطاب الكراهية بالحجة لا بالحذف فقط،
• ويفتح مسارات حوار ميسّرة تُدار بضمير إنساني ومرجعية قيمية مشتركة.
وأكد أن عصر التقنية لا ينبغي أن يبتلع المعنى، بل أن يخدمه ويصونه ويعمّقه.

ثلاث بوابات أخلاقية للتقنية
وفي هذا السياق، دعا الدكتور محمد بشاري إلى اعتماد ثلاث بوابات أخلاقية أساسية في أي توظيف للذكاء الاصطناعي في المجال العام:
1. الشفافية: حتى لا يتحول القرار الرقمي إلى صندوق أسود خارج المساءلة.
2. الإنصاف: لمنع إعادة إنتاج التحيزات الاجتماعية والثقافية داخل الخوارزميات.
3. المسؤولية: لضمان أن تبقى الكرامة الإنسانية أصلاً حاكماً لا نتيجة ثانوية.
مخرجات المؤتمر: نداء للعمل لا للاستهلاك الخطابي
وفي ختام أعماله، تبنّى المؤتمر نداء العمل المشترك للتحالف العالمي للتسامح، المنبثق عن النقاشات والمداولات، والذي شدد على أن التحديات العالمية الراهنة – من النزاعات، إلى الاستقطاب، إلى الأزمات البيئية والاجتماعية – لا يمكن معالجتها بالسياسات وحدها، بل تتطلب تحالفاً أخلاقياً عالمياً يُعيد الاعتبار للإنسان في قلب التحولات الرقمية.
ودعا النداء إلى:
• تعزيز ثقافة التسامح والتعايش في التعليم والتشريع والإعلام.
• توجيه الذكاء الاصطناعي ليكون شاهداً للعدل لا محايداً عن القيم.
• حماية الفضاء الرقمي من التلاعب وخطاب الكراهية دون المساس بحرية التعبير المسؤولة.
• دعم الحوار بين الأديان والثقافات بوصفه شرطاً للاستقرار العالمي.
• توحيد جهود الحكومات والمؤسسات الدولية والمجتمع المدني في الدفاع عن الكرامة الإنسانية.
واختُتم المؤتمر بالتأكيد على أن الإنسانية لا تحتاج إلى تقنية أقوى بقدر ما تحتاج إلى بوصلة أخلاقية أوضح، وأن النجاح الحقيقي يكمن في جعل الذكاء الاصطناعي حارساً للكرامة، وجسراً للسلام، لا أداة للفرقة.





