د. محمد بشارى…..ثماني سنوات على رحيل الدكتور جعفر عبد السلام: حين يتحول العلم إلى أثرٍ لا يغيب

 

 

د  .محمد بشارى

تمر   اليوم ثماني سنوات على رحيل أستاذي ومعلمي الدكتور جعفر عبد السلام، أستاذ القانون الدولي، ونائب رئيس جامعة الأزهر الأسبق، والأمين العام الأسبق لرابطة الجامعات الإسلامية. ثماني سنوات مضت، غير أن بعض الرجال لا يقاس حضورهم بسنوات الحياة، وإنما بعمق الأثر الذي يتركونه في العقول والقلوب والمؤسسات.

عرفت الدكتور جعفر عبد السلام عالمًا راسخًا، وأكاديميًا متمكنًا، وإداريًا ناجحًا، لكن ما عرفته فيه أكثر من ذلك كله هو الإنسان. كان يمتلك قدرة نادرة على الجمع بين المكانة العلمية الرفيعة والتواضع الإنساني العميق. لم يكن من أولئك الذين تباعد بينهم المناصب والرتب وبين الناس، بل كان قريبًا من تلامذته وزملائه، يصغي إليهم، ويشجعهم، ويمنحهم من وقته وخبرته بسخاء العالم الواثق من علمه.

 

كانت رحلاتي إلى القاهرة تكتسب معنى خاصًا كلما اقترنت بلقائه. فذلك اللقاء لم يكن مجرد موعد عابر، بل كان محطة فكرية وعلمية وإنسانية أخرج منها دائمًا بأفكار جديدة وأسئلة أعمق ورؤية أوضح. كانت جلساته مدرسة قائمة بذاتها؛ يناقش، ويحاور، وينصح، ويفتح آفاق التفكير دون أن يفرض رأيًا أو يصادر اجتهادًا. وكان يؤمن أن مهمة الأستاذ لا تقتصر على نقل المعرفة، بل تتجاوزها إلى صناعة الثقة في النفس وبناء الشخصية العلمية المستقلة.

 

ولعل من أبرز ما أستحضره اليوم فضله الكبير في مسيرتي العلمية والمؤسسية، فقد كان من الأسباب المباشرة التي دفعتني إلى خوض تجربة معهد ابن سينا للعلوم الإنسانية، تفكيرًا وتخطيطًا وتأسيسًا وإدارة. لم يكن دوره دور المشجع من بعيد فحسب، بل كان شريكًا بالرأي والتوجيه والمتابعة، مؤمنًا بأهمية بناء مؤسسات علمية قادرة على الجمع بين الأصالة والمعاصرة، وبين الهوية والانفتاح، وبين المعرفة الأكاديمية ومتطلبات الواقع.

لقد انتمى الدكتور جعفر عبد السلام إلى جيل من العلماء الذين جمعوا بين التكوين الشرعي والقانوني، وبين الانتماء الحضاري والانفتاح على الفكر الإنساني المعاصر. ولذلك استطاع أن يترك بصمته في مجالات متعددة، سواء في القانون الدولي أو في التعليم الجامعي أو في العمل الأكاديمي الإسلامي المشترك. ولم يكن حضوره في رابطة الجامعات الإسلامية حضورًا إداريًا فحسب، بل كان حضور صاحب مشروع يؤمن بأن نهضة الأمة تبدأ من الجامعة، وأن بناء الإنسان يسبق بناء العمران.

ومع أن السنوات تمضي، فإن بعض الذكريات تبقى عصية على الغياب. فما زلت أستحضر ابتسامته الهادئة، وحرصه على السؤال، واهتمامه بتفاصيل العمل العلمي، وقدرته على بث الحماسة في نفوس من حوله. وكانت هذه الخصال جزءًا من شخصيته بقدر ما كانت امتدادًا لرسالته العلمية والتربوية.

 

إن الوفاء للعلماء ليس مجرد استذكار لأسمائهم في ذكرى رحيلهم، بل هو استحضار لقيمهم، والاقتداء بأخلاقهم، واستمرار للمشروعات التي آمنوا بها وخدموها. ومن هذا المنطلق، فإن ذكرى الدكتور جعفر عبد السلام ليست ذكرى حزن على غياب رجل، بقدر ما هي مناسبة لاستحضار سيرة عالم ترك أثرًا ممتدًا في مؤسسات العلم وفي نفوس تلامذته ومحبيه.

رحم الله أستاذنا الدكتور جعفر عبد السلام رحمة واسعة، وجزاه عن العلم وأهله خير الجزاء، وجعل ما قدمه من معرفة وتربية وإصلاح في ميزان حسناته، وأبقى أثره حيًا في كل من تعلم منه، أو عمل معه، أو سار على طريقه في خدمة العلم والإنسان..

ويتقدم الكاتب الصحفي نزار العطيفي رئيس التحرير بخالص العزاء لمحبى وتلامذة واسرة المرحوم الأستاذ الدكتور جعفر عبد السلام الأمين العام السابق لرابطة الجامعات الإسلامية مع ذكرى وفاته

 

زر الذهاب إلى الأعلى